ترى روزا بالفور أن خطف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كشف هشاشة النظام الدولي القائم على القواعد، وأظهر كيف يتغذى تآكل الديمقراطية داخليًا على إضعاف القانون الدولي خارجيًا. تجادل الكاتبة بأن أوروبا، رغم امتلاكها مصلحة مباشرة في الدفاع عن الشرعية الدولية، اختارت في الغالب الصمت أو المواربة بعد العملية العسكرية الأميركية، وهو موقف يهدد بتقويض ما تبقى من مصداقية القيم التي تعلن التمسك بها.

 

يوضح المقال المنشور على موقع مؤسسة كارنيجي أن القانون الدولي، رغم طابعه الانتقائي والهش تاريخيًا، يحتاج دائمًا إلى دعم الدول الديمقراطية والمؤسسات متعددة الأطراف كي يصمد. غير أن معظم العواصم الأوروبية، باستثناء مواقف أكثر وضوحًا من فرنسا والنرويج وإسبانيا، تجنبت مواجهة خرق واشنطن الصريح، وفضّلت التعامل مع الأمر كواقع مفروض.

 

صمت أوروبي تحت ظل واشنطن

 

تفسر بالفور هذا التردد الأوروبي بالخوف العميق من تداعيات معاكسة، سواء تعلق الأمر باحتمال مغامرات أميركية جديدة، أو بتراجع الالتزام الأميركي تجاه أوكرانيا. في هذا السياق، قبلت حكومات أوروبية كثيرة بتسويات لغوية فضفاضة، تجمع بين ترديد مبادئ عامة عن الديمقراطية والقانون الدولي، وتجنب إغضاب إدارة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية.

 

تشير الكاتبة إلى أن هذا السلوك لا يعكس فقط ضعف الإرادة السياسية، بل يكشف أيضًا عن أزمة أعمق في الرؤية الأوروبية للعالم، حيث باتت بعض الأصوات ترى أن التمسك بالنظام القائم على القواعد نوع من السذاجة في زمن صعود منطق القوة ومناطق النفوذ.

 

مناطق النفوذ بدل القواعد

 

تربط بالفور بين ما جرى في فنزويلا وبين الاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة، التي تعيد إحياء “عقيدة مونرو” بصيغة ترامب، وتتعامل مع نصف الكرة الغربي بوصفه مجالًا مشروعًا للتحرك الأميركي بغض النظر عن القانون الدولي. في هذا المنطق، تتقاسم القوى الكبرى العالم إلى دوائر نفوذ: روسيا في أوروبا الشرقية، الصين في بحر الصين الجنوبي، والولايات المتحدة في الأميركيتين.

 

تحذر الكاتبة من أن قبول أوروبا بهذا المنطق يضعف قدرتها على إدارة فضائها الجغرافي وفق قواعدها الدستورية والديمقراطية. فالاتحاد الأوروبي يحتاج إلى حماية ميثاق الأمم المتحدة لضمان أمن دوله وأقاليمه، من غرينلاند والدنمارك إلى أوكرانيا، ولمنع فتح الباب أمام مراجعات حدودية قد تهدد مناطق هشة مثل البلقان أو جنوب القوقاز، بل وحتى دولًا أوروبية قائمة ما زال وضعها الدستوري محل خلاف.

 

استعادة المصداقية واللغة

 

تؤكد بالفور أن الدفاع عن النظام الدولي لا يخدم فقط المصالح الأمنية الأوروبية، بل يشكل أيضًا مدخلًا ضروريًا لتحسين علاقات أوروبا مع دول الجنوب العالمي. فالتناقض بين الخطاب الأوروبي حول العدالة الدولية والتطبيق العملي لهذه المبادئ أضعف ثقة كثير من الشركاء، وأضر بقدرة الاتحاد على حشد دعم دولي لقضايا مثل أوكرانيا أو بناء شراكات اقتصادية جديدة.

 

تضيف الكاتبة أن التخلي عن لغة الحقوق والديمقراطية يتركها عرضة للاختطاف والتشويه، سواء عبر تبريرات لاحقة لإطاحة مادورو، أو عبر خطاب سياسي أميركي يفرغ مفاهيم الحرية من معناها، أو حتى عبر قوى داخل أوروبا تستخدم مفردات مثل “السلام” لتبرير الاستسلام للأمر الواقع.

 

تخلص بالفور إلى أن تآكل القواعد الديمقراطية، داخليًا وعالميًا، ستكون له آثار طويلة الأمد تتجاوز لحظة الخوف الأوروبي الراهنة من سياسة مناطق النفوذ. وترى أن الخيار أمام أوروبا واضح: إما الدفاع الجاد عن القانون الدولي وقيمه، أو القبول بعالم تحكمه القوة، حيث تصبح المبادئ مجرد شعارات بلا وزن.

 

https://carnegieendowment.org/europe/strategic-europe/2026/01/the-cost-of-europes-weak-venezuela-response?lang=en